محمد جمال الدين القاسمي

39

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

والولاية ضد العداوة . وأصل الولاية المحبة والقرب . وأصل العداوة البغض والبعد . وأفضل أولياء اللّه هم أنبياؤه ، وأفضل أنبيائه هم المرسلون منهم ، أفضلهم محمد صلى اللّه عليه وسلم خاتم النبيين ، وإمام المتقين ، الذي بعثه اللّه بأفضل كتبه ، وشرع له أفضل شرائع دينه ، وجعله الفارق بين أوليائه ، وأعدائه ، فلا يكون وليا للّه إلا من آمن به ، وبما جاء به ، واتبعه ظاهرا وباطنا . ومن ادعى محبة اللّه وولايته ، وهو لم يتبعه ، فليس من أولياء الله ، بل من خالفه كان من أعداء اللّه ، وأولياء الشيطان . وإن كان كثير من الناس يظنون في أنفسهم أو في غيرهم أنهم من أولياء اللّه ، ولا يكونون من أولياءه . فاليهود والنصارى يدعون أنهم أولياء اللّه وأحباؤه . قال تعالى : قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ . . . [ المائدة : 18 ] الآية ، وكان مشركو العرب يدعون أنهم أهل اللّه ، لسكناهم مكة ، ومجاورتهم البيت ، فأنزل تعالى : وَما كانُوا أَوْلِياءَهُ ، إِنْ أَوْلِياؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ [ الأنفال : 34 ] ، وكما أن من الكفار من يدعي أنه وليّ اللّه ، وليس وليا للّه ، بل عدوّ له ، فكذلك من المنافقين الذين يظهرون الإسلام ، يقرون في الظاهر بالشهادتين ، ويعتقدون في الباطن ما يناقض ذلك ، مثل ألا يقروا باطنا برسالته عليه السلام ، وإنما كان ملكا مطاعا ، ساس الناس ، برأيه ، من جنس غيره من الملوك . أو يقولون إنه رسول اللّه إلى الأميين خاصة . أو يقولون إنه مرسل إلى عامة الخلق ، وأن للّه أولياء خاصة لم يرسل إليهم ، ولا يحتاجون إليه ، بل لهم طريق إلى اللّه من غير جهته ، كما كان الخضر مع موسى . أو أنهم يأخذون عن اللّه كل ما يحتاجون إليه ، وينتفعون به من غير واسطة ، أو أنه مرسل بالشرائع الظاهرة ، وهم موافقون له فيها . وأما الحقائق الباطنة ، فلم يرسل بها ، أو لم يكن يعرفها . أو هم أعرف بها منه ، أو يعرفونها مثل ما يعرفها من غير طريقته . فهؤلاء كلهم كفار ، مع أنهم يعتقدون في طائفتهم أنهم أولياء اللّه . وإنما أولياء اللّه : الذي وصفهم تعالى بولايته بقوله : أَلا إِنَّ أَوْلِياءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ، الَّذِينَ آمَنُوا وَكانُوا يَتَّقُونَ [ يونس : 62 - 63 ] . ولا بد في الإيمان من أن يؤمن باللّه وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر . وأن محمدا صلى اللّه عليه وسلم خاتم النبيين ، مرسل إلى جميع الثقلين الإنس والجن . فكل من لم يؤمن بما جاء به فليس بمؤمن ، فضلا عن أن يكون من أولياء اللّه المتقين ومن آمن ببعض ما جاء به ، وكفر ببعض ، فهو كافر ليس بمؤمن . ومن الإيمان به ، الإيمان بأنه الواسطة بين اللّه وبين خلقه ، في تبليغ أمره ونهيه ، ووعده ووعيده ، وحلاله وحرامه . فالحلال ما أحله اللّه ورسوله ، والحرام ما